طريق التنمية.. يسلكه الشجعان

 

مشروع بدأ التخطيط له من أكثر من عقد يرى النور وسط اتفاق رباعي جمع الإمارات وتركيا والعراق وقطر وصم بالعروة الوثقى على أرض بلاد ما بين النهرين

نهر آن له الأوان أن ينهمر خيراً على أرض عانت ما عانت من ويلات الحروب والانهيارات الداخلية التي أتت بجرادها على الأخضر واليابس، ليجري خلفه نهر آخر يبشر بسنوات سمان بعد سنين عجاف عاشها موطن نشأت الحضارات القديمة.. ليكتب عهداً حديثا بعد أن اختار “طريق التنمية”

طريق الشجعان الذين ركلوا الإيديولوجيات بعيداً واختاروا ركب التقدم وخير شعوبهم ونماء أوطانهم ووضعوا أيديهم بأيدي أبرز الفاعلين في المنطقة ممن رسموا أبجديات الرخاء ووضعوا مفاتيح الخير وخيارات الازدهار بين أحضان المنطقة ككل، ومن بينهم دولة الإمارات التي لطالما آمنت بأن العراق سيعود إلى الحضن العربي وسيستعيد عافيته من بوابة الاقتصاد المستدام لينطلق الأخير بخطوات تتضح فيها مساعيه لإعادة مكانته القوية بين دول المنطقة من خلال استضافة قمم وعقد اتفاقيات وجهود وساطة لحل النزاع بين إيران ودول عدة كالسعودية ومصر، ليصل أخيراً إلى طموح جريء يخدم جهود التكامل الاقتصادي في المنطقة ويرسم ملامح مشروع يعود بالمنفعة الاستثمارية والاستراتيجية على دول المنطقة فعقد مؤتمراً في نهاية مايو من العام 2023 مع ممثلي وزارات النقل في قطر والإمارات والكويت وعمان والأردن وتركيا وإيران والسعودية للإعلان عن مشروع “طريق التنمية ” وهو خط بري وخط سكك حديد يصل الخليج بالحدود التركية، يطمح من خلاله العراق الغني بنفطه للتحول إلى خط أساسي لنقل البضائع بين الشرق الأوسط وأوروبا، متغلبة على بنيتها التحتية المتهالكة وطرقاتها المنهكة جراء عقود من الحروب، والتي لم تؤثر على قدرة الأشخاص على التنقّل فحسب، بل أرهقت أيضاً التجارة وعرقلت الحركة الدولية والإقليمية للسلع والخدمات.

المشروع الذي يشكل نقطة التقاء المصالح والتاريخ والثقافات كما يصفه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وضعت النقاط على الحروف فيه بعقد الاتفاق الرباعي وسط تمثيل تركي عالي المستوى وبحضور الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي ووزير البنية التحتية الإماراتي معالي سهيل المزروعي ووزير النقل القطري، ليكون بادرة حقيقية بعد محاولات عديدة مرت على حكومات عراقية سابقة ولم تفلح إلا في عهد السوداني الذي وعد بخطة تنموية للعراق قد تكون بوابته الكبرى نحو الانتخابات المستقبلية.

ويبدو أن القناة الجافة لن تعود جافة بعد الآن، فالعراق يعول على طريق التنمية -لربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية عبر ميناء الفاو الكبير في محافظة البصرة (جنوبا) ثم القناة الجافة التي تبدأ من الميناء جنوبا وتنتهي بالحدود العراقية التركية شمالا. ورغم أن تكلفتها تبلغ بنحو 17 مليار دولار وبطول 1200 كيلومتر داخل العراق فإنها ستدر منافع على كل من آمن بهذا المشروع فأصبح جزءاً مستثمراً فيه، فهي ستساهم ومن خلال موقعها الجغرافي المهم على زيادة التجارة الدولية وتسهيل التنقل والتجارة، وتوفير طريق نقل تنافسي جديد فضلاً عن هدفها الأساسي في تحقيق النمو الاقتصادي.

وسيحقق المشروع في مرحلته الأولى التي ستكتمل في عام 2028 نقل 35 مليون حاوية سنوياً و22 مليون طن من البضائع بإيرادات متوقعة تبلغ أربع مليارات دولار سنويا، فيما سيخدم قرابة الـ15 مليون مسافر سنوياً محققاً بذلك إيرادات 850 مليون دولار سنوياً.

وبالنسبة للشعب العراقي وفي ظل ارتفاع نسب البطالة والضغط على الوظائف الحكومية فهو سيوفر 100 ألف فرصة عمل كمرحلة أولى، ومليون فرصة بعد إكماله وإنجازه بمروره على مراحله الثلاث؛ إذ تنتهي الأولى عام 2028 والثانية في 2033 والثالثة في 2050.

ويأمل أن تنقل قطارات عالية السرعة فيه البضائع والمسافرين بسرعة تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، بالإضافة إلى مد خطوط إلى مراكز الصناعة المحلية والطاقة التي يمكن أن تشمل أنابيب النفط والغاز في العراق.

طريق الحرير الجديد هذا أبعد من كونه مشروع ترانزيت فهو طريق استراتيجي سينقل البضائع بمختلف أنواعها من أوروبا إلى العراق عبر تركيا وإلى الخليج، وتمر السلع والموارد الخليجية من الخليج عبر العراق، ثم تركيا وأوروبا.

وعند اكتمال طريق التنمية فإن الوقت الذي كانت تستغرقه حركة السفن التي تمر عبر قناة السويس سينخفض إلى 25 يوماً بعد أن كانت تستغرق 35 يوماً فيه ونحو 45 يوماً عبر رأس الرجاء الصالح.. ولكم أن تتخيلوا ما سيتم توفيره من هذا الاختصار الزمني والجغرافي.

وهناك مخططات لمدن صناعية ومدن إسكان تحاط بالطريق، وسيشهد عبور آلاف الشاحنات المقبلة من 25 دولة، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل للعراق.

ويبقى التحدي أمام ضمان نجاح هذا المشروع في التعاون الدولي بإضعاف فرص التوترات السياسية والأمنية حتى لا تعيق عملية استقطاب الاستثمارات الأجنبية والمعالجة الحقيقية لأزمة الكهرباء العصية والفساد الإداري الذي ينهش مؤسسات الدولة وتقوية مناعة البنية التحتية بموانئها والتكنولوجيا والاتصالات والطاقة وضمان غطاء مالي مستدام يضخ المشروع الذي نأمل أن تحتفل المنطقة باكتماله ما لم تعكر مزاجه غيمة إيرانية لها رؤية أخرى، فهي كانت تأمل بسكة حديدة “العراق-إيران-سوريا “!!

*منى الرئيسي

رئيس تحرير أخبار الدار ..محاورة.. كاتبة رأي ..مدربة إعلامية

نقلا عن العين الاخبارية

(Visited 8 times, 1 visits today)

المحررون

>

قد يثير اهتمامك