المرأة المغربية خديجة عريب..أول رئيسة برلمان أوروبي من أصول عربية

يحفل تاريخ المنطقة العربية بفتيات ونساء صنعن التاريخ، وساهمن بشكل فعال في بناء الحضارة الانسانية، وحصدن إنجازات، عجز الكثير من الرجال عن الوصول إليها، وذلك بكافة مجالات الحياة، كعلوم الفلك والطب والفضاء والعمارة وبناء المؤسسات التعليمية والابتكارات الحضارية والعلوم الاقتصادية والنشاطات السياسية، حيث تمكنت المرأة العربية بجدارة من تبوأ أعلى المناصب السياسية ليس في بلدها فقط، وإنما في بلد المهجر وتعد خديجة عريب مثال مُشرف للمرأة العربية، حيث تولت منصب رئاسة البرلمان الهولندي، لتصبح أول عربية مسلمة من بين الرجال والنساء تتولى هذا المنصب، وهي سياسية هولندية من أصول مغربية، برلمانية منذ 1998.

ولدت خديجة عريب في 10 أكتوبر 1960، بالهدامي إحدى بطون قبيلة أولاد سعيد بمنطقة لغنيميين بإقليم السطات.

ثُم انتقلت إلى هولندا، بعد أن قرر والدها الرحيل للبحث عن فرص عيش أفضل خارج المغرب، وتفكير والدها أثر بها كثيراً حيث قررت هي أيضاً أن تكون انسانة ناجحة ومتميزة طالما غادرت وطنها الغالي عليها، بغية البحث عن ظروف عيش أفضل، وهي مازالت لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، فكانت أولى خطوات نجاحها الكبير الالتحاق بجامعة أمستردام لمواصلة تحصيلها العلمي حيث تخصصت في دراسة علم الاجتماع. ودراستها وتخصصها في علم الاجتماع، جعلها تستشعر الكثير من القضايا الخاطئة المنتشرة في المجتمع الذي تعيش به، وعبرت عن انزعاجها من تلك القضايا وأكدت على ضرورة تغييرها ولأجل ذلك دخلت عالم السياسة، لتنتخب سنة 1998 عضواً بالبرلمان الهولندي مرشحة عن حزب العمالي والذي يعد الحزب الثاني في مجلس النواب بعد الحزب الليبرالي اللذان كانا يشكلان معا التحالف الحاكم أنذاك. وقد جعلت من قضايا المرأة على رأس اهتماماتها، حيث ساهمت في تأسيس مؤسسات اتحاد النساء المغربيات في هولندا، ثم تنقلت بين مناصب مختلفة، حيث عملت كمساعدة في منظمات الرعاية الاجتماعية في بريدا وأوتريخت، ومساعدة في معهد للدراسات الاجتماعية والاقتصادية في جامعة إراسموس في روتردام ونائب رئيس ومستشار سياسي بارز في الرعاية الاجتماعية والصحية في أمستردام، وقد تركزت اهتمامات خديجة عريب السياسية على محاربة العنصرية والتمييز، وقطاع الصحة لاسيما الرعاية الصحية للنساء المغربيات والتركيات، كما اهتمت “خديجة” بمعضلة النساء اللواتي كن يختفين بعد العطلة الصيفية، وهن المغربيات والتركيات اللواتي يُتركن لمصيرهن بالبلد الأصلي، من قبل أزواجهن، بعد العطلة الصيفية، إذ يستولي الزوج على جواز السفر، في الوقت الذي لا تجيد فيه المرأة التحدث باللغة الهولندية، وقد لفت انتباه “خديجة” هذه المسألة وراحت تدرس هذه الظاهرة ومسبباتها حتى تمكنت من ايجاد حل لها، حيث تم تخصيص موظفين يستقبلون مثل تلك النساء في السفارات الهولندية بالمغرب وتركيا للاطلاع على أوضاعهن ومن ثم معالجة مشاكلهن، و بعد وفاة والدها، وعودة أمها إلى المغرب قررت خديجة البقاء بهولندى و خوض التحدي الأكبر والأصعب المتمثل بدفاعها عن حُقوق المُهاجرين واللاجئين. حتى غدت من أنشط المُدافعين عن حُقوق المُهاجرين بهولندا”. وقد لقى نشاطها هذا استحسان كبير من قبل المهاجرين والسكان الأصليين، وأصبحت معروفة بالمجتمع الهولندي واصبح لها قاعدة شعبية عريضة. وهذه القاعدة خولتها لتولي رئاسة البرلمان الهولندي بالوكالة، منذ استقالة الرئيسة أنوشكا فان ميلتنبورغ في ديسمبر 2015، وفي 13 يناير 2016، حيث فازت برئاسة الغرفة الثانية في المؤسسة التشريعية الهولندية بعد حصولها على 83 صوتًا من أصل 134 صوتًا، من مجموع 150 عضوًا في المستشارين، متفوقًة على ثلاثة مرشحين آخرين. في سابقة في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 17 مليون نسمة ويضم حوالي 380 ألف نسمة من أصول مغربية.

وبخلاف ترحيب كثيرين بانتخاب المهاجرة المغربية رئيسة لمجلس النواب الهولندي، هاجم آخرون انتخابها، إذ اعتبر النائب خيرت فيلدرز، زعيم اليمين المُتطرف بهولندا، اختيار عريب “يوماً أسود في تاريخ البرلمان”، بل وعاب على الرئيسة الجديدة أنها لا تزال تحتفظ بجنسيتها المغربية إلى جانب الهولندية، مُعتبراً في تصريحات صحافية أنه “لا يجوز أن يتولى شخص يحمل جنسيتين رئاسة مجلس النواب الهولندي”. إلا أن السيدة خديجة عريب أوضحت أنها تقوم بعملها ببساطة، مضيفة، فيما يشبه التحدي والإصرار، أنه يُمكنها أن تتولى، أيضاً، رئاسة الحزب، “من أجل الحرية والعيش في ديمقراطية”. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها بسبب اثارة موضوع “ازدواجية الجنسية” خلال تنافسها الانتخابي مع مرشح حزب “النداء الديمقراطي المسيحي”، مادلين فان تورنبورغ. إلا أنها ظلت متمسكة بجنسيتها التي كانت تعتز وتفتخر بها لدرجة أن قصة نجاحها وثقتها في سيرة ذاتية اختارت لها عنوان “كسكس”، هذا العنوان الذي يحمل الكثير من دلالات والمعاني والتي تؤكد على مدى تشبثها بأصلها المغربي، وأن ذاكرة الهوية لديها لا تزال حية ومشدودة إلى الوطن الأم.

اعداد الدكتورة صفاء قدور

استاذة العلاقات الدولية والدبلوماسية في جامعة الخاصة

الجمهورية العربية السورية

(Visited 22 times, 1 visits today)

المحررون

>

قد يثير اهتمامك